منتديــــات الكاسنجــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــر

أهلاً وسهلاً بك في منتديات الكاسنجر
عزيزي الزائر الكريم .. زيارتك شرف لنافي المنتدي ، ولكننا نطمع في تسجيلك معنا

للتواصل بين ابناء الكاسنجر بالداخل والخارج وكل الراغبين


    تمر الهبوب

    شاطر
    avatar
    مرتضى خليفة

    عدد المساهمات : 175
    نقاط : 289
    تاريخ التسجيل : 11/05/2010

    تمر الهبوب

    مُساهمة  مرتضى خليفة في الإثنين 17 مايو 2010 - 6:43

    تمر
    الهبوب
    ح. 1
    النخلة


    [color="darkgreen"]النخلة و
    ما أدراك ما شجرة النخيل . تلك الشجرة المباركة التي ارتبط بها وجدان أهلنا في الشمال .. خبروها وخبرتهم .. أعطتهم الكثير في زمن كان طعمه من طعم ثمارها الحلوة .. تبدأ مراحل العطاء في تؤدة وتمهل وكبرياء وحساسية مفرطة يتابع أهلنا هذه المراحل باهتمام منذ البداية و يتابعون شجرتهم الحبيبة بكل الحنان والحب .. تبدا المرحلة الأولى في منتصف و أواخر ديسمبر بالنخيل الضكر .. ذلك الفحل القوي الخشن في مظهره مع تباشير الشتاء يبدأ بإنتاج اللقاح في شكل زهرات صغيرة تتحور تدريجيا ليغطيها جراب صلب تنمو بداخله حبوب اللقاح ويراقبه العيون الحادبة كل صباح ومساء .. وهناك تكون النخلات الأنثيات الرقيقات قد أزهرن أيضا وتزيّنّ وفتحن قلوبهنّ استعدا لاستقبال اللقاح الميمون .. وهنا تسمع عبارات ألفتها الآذان يرددها هواء أمشير (في عشرة الراعي ذاك القرض الحسن الذي تهبه أم شير لأختها طوبة كلّ عام ) تسمع عبارتي التمر جبّد و الضكر فقس .. وهنا يأتي دور القفّاز المتخصص في عملية تلقيح النخيل ، ليقوم بقطع جرابات الضكر وفتحها و رص السبلات الحاملة لحبوب اللقاح المشبّعة بالدقيق و ربطها بخيط نسيج الجراب المتين في ربط صغيرة يحملها في كيس من القماش (خرتاية الضكر) ويصعد بها نخلةً نخلة مهما بلغت من الطول ليبث في قلبها وزهراتها المتفتّحة من إكسير الحياة .. هو الرجل النحلة قفّاز النخلة وصاحب السبيطة الأولى من كل نخلة عند الحصاد ..
    في تلك القرية الوديعة الوادعة على ضفاف النيل في ضواحي مدينة عبري (المحس) فتح الطفل مجذون عينيه على بواسق النخل وخضرة الجروف في منزلهم اللبن (الطين) المطلّ على النيل .. الحياة في غاية البساطة والناس يعيشون في نعمة الرضا بالكفاف .. مستوري الحال .. لا قيل ولا قال .. المنزل علي بساطته واسع الفناء مكون من غرفتين تتوسطهما برندة و المطبخ (الدونكا) أمامه الراكوبة (اللقدابة) وبداخله تربيزة خشبية متوسطة الحجم فوقها كل احتياجات المأكل والمشرب من صوان وصحون .. وكبابي الشاي والكفتيرة والبراد ، لها رف خاص متبت على الحائط فوق التربيزة .. السقف مرق من الدوم تثاقلت فوقه فلق النخيل و نسيج الجريد والنعال الطين المخلوط بالأسد الذي هو بقايا درس القمح (النوريق) و فوق النعال عدة بلطات عبر السنين من الزبالة من روث البهائم المخمّر مع الطين .. تثاقلت الحمولة على مرق الدوم المسكين فأطلق زفرات من أنين أحسّ بها حسن والد مجذوب فدعمه في الوسط بشعبة السنط (الأمينة) .. وبجوار الأمينة الصابرة على مرّ السنين حبال من ألياف جزع النخيل (العشميق) تدلت مفتولة من أعلى لتتفرع في شكل مظلة من الأسفل تشكّل مبيتا مريحا لحلة الملاح .. ذاك هو
    المعلاق ويسمونه (المشلعيب) في مناطق تتقلّب فيها الحروف .. و بجانبه آخر
    أكثر جمالا مصنوعا من ضفيرة سعف الدوم تبيت فيه قرعة اللبن الحليب بعيدا عن متناول اللصة برة الجيران ..
    نخرج من الدونكا للفناء الفسيح .. هناك في الركن القصي إستراحتان مستراحتان .. بين بيت الأسرة و الديوان .. و يالوجع أمّ العيال إذا صحا طفل في جوف الليل وفي عزّ الشتاء القارس لقضاء حاجة .. و الكبير في هذا الزمان تلزمه ركشة ليستريح ..
    وتحت شجرة المانجو الظليلة جلس أفراد الأسرة الصغيرة .. الوالد حسن محمد خلبل عاد يحمل جرابان كبيران من الضكرة الفوق الجدول فقسا مبكّرين واستحقا القطع و التربيط .. بعد الغداء والشاي جلس الوالد وإبنيه الكبير محمود والصغير مجذوب .. جلس الوالد أرضا مفترشا التقروقة البالية و أمامه الصينية الكبيرة .. بالمنجل المسنن شقّ جرابي الضكر وطرح حصيلتهما في الصيينية فامتلأت لأمّ عينها تبارك الخالق . وبدأ في إعداد و ربط الضكر بحرص شديد .. والمحمود والمجذوب يمدانه بخيوط الجراب بعد سلخها بسنانهما .. وهنالك في زاوية أخرى أمام اللقدابة جلست أمّ العيال زينوبة ومعها بنتيها رحاب وسحر وقد أمسكت كلّ منهنّ بالإبرة والخيط تحيكان أكياسا صغيرة من الخرق البالية (الدلاقين) .. فالعنبة الوحيدة في القرية تحتاج هذه الأكياس لتقي ثمارها (التي بدأ ماؤها يحلوّ) من نقدات العصافير .. هذه العنبة جلبها عمّ الصغار أحمد من مصر حيث يعمل في المهجر في القناطر الخيرية . كان ذلك قبل ثلاثة أعوام في عطلته السنوية . وهو في كل عام يعود مع أسرته الصغيرة المكوّنة من زوجته الفلاحة البيضاء الجميلة فردوس وبناته الثلاث فريال وهدى ونور .. وكان يجلب معه الهدايا لأفراد أسرة أخيه الوحيد حسن . وخاصة ملابس الشتاء من الصوف والكستور و الأحذية الجلدية .. وكان حضورهم عيدا كبيرا لأسرة عمّهم وخاصة الصغير مجذوب .. حيث كان يحب اللعب مع بنت عمّه الصغيرة نور . وتعلمه ألعابا جديدة .. تعلّم لهجتها المصرية الحلوة مثلها بلكنته النوبية حيث الكل هنا برطنون ومعظم أهل القرية لا يتحدّثون العربية إلا قليلا .. لكن المجذوب تعلّم بفضل نور الصغيرة التحدث بالعربية بطلاقة تفوق بها على كلّ أقرانه في المدرسة . وأصبح ترتيبه الأول بلا منافس ..
    أكمل حسن و إبنيه إعداد الضكر ، و أدخله في الخرتاية و أدخل الخرتاية في جوال من الخيش ورفعه فوق اللقدابة في انتظار القفّاز خليفة إبن المناصير الذي استوطن معهم في القرية فأصبح القفّاز الأول في القرية ، و له منافس ضعيف هو عويس ود الحلب الذي لا يرغبه أحد من أهل القرية إلا اضطرارا ،حين يعجز خليفة ود المناصير . وحمل حسن و إبنيه أكياس العنبة وخرجوا لحمايتها من الطيور .. وكانت شخاليب العنب كثيرة وكبيرة . وحين تنضج يذوق كلّ الجيران والحبّان طعم العنب ، و الفائض منها يجفف ذبيبا لرمضان
    .. [/color
    __________________
    avatar
    زاهر سر الختم

    عدد المساهمات : 638
    نقاط : 851
    تاريخ التسجيل : 26/04/2010

    رد: تمر الهبوب

    مُساهمة  زاهر سر الختم في الثلاثاء 18 مايو 2010 - 12:38

    الأخ مرتضي خليفة

    قرأت هذا الموضوع اكثر من مرة ... سرد رائع وامتلاك للتفاصيل وتشخيصها بشكل أروع
    والأجمل من ذلك استخدام مصطلحات تعطر النص عبقاً من هناك

    دمت اخي
    وسلامات

      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة 21 يوليو 2017 - 17:44